|

رسائل بولس المفقودة
رداً على كتاب القمص عبد المسيح
بسيط أبو الخير - هل هناك أسفار مفقودة من الكتاب
المقدس؟
بقلم العبد
الفقير إلى الله أبو
المنتصر شاهين الملقب بـ
التاعب
الحمد لله
نحمده,
ونستعين به ونستغفره,
ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات
أعمالنا,
من يهده الله فلا مُضِل له,
ومن يضلل فلن تجد له وليّاً مرشداً,
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له,
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله,
وصفيه من خلقه وخليله,
بلَّغ الرسالة,
وأدى الأمانة,
ونصح الأمة,
فكشف الله به الغمة
,
ومحا
الظلمة,
وجاهد في الله حق جهاده حتى آتاه اليقين,
وأشهد أن عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله,
وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه.
ثم أما بعد؛
«
اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ
وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ
السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ
وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ
فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِى
لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ
إِنَّكَ تَهْدِى مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ
مُسْتَقِيمٍ
»(صحيح
مسلم-1847).
۞ مُقدمة :
يزعم القمص عبد
المسيح في كتابه (هل هناك أسفار مفقودة من الكتاب
المقدس) أنه ليس هناك نصوص في العهد الجديد تشير
إلى رسائل لبولس لا وجود لها الآن! وراح يدّعي
بغير علم ولا معرفة أو دراسة حقيقية وعلمية للكتاب
المقدس أو مفاهيمه ومصطلحاته وبيئته وخلفياته
التاريخية والحضارية والثقافية والدينية التي كُتب
أثناءها، أننا نفهم هذه النصوص فهماً مغلوطاً! ثم
راح يتساءل؛ هل هناك رسائل مفقودة من العهد
الجديد؟ وما معنى قول القديس بولس بالروح: "كتبت
إليكم في الرسالة"؟ وما هي الرسالة إلى "لاودكية"
؟ مُعتقداً أن هاذين النصين فقط هما مصدر الشبهة
وتجاهل نصاً ثالثاً يشير إلى رسالة أخرى لبولس
مفقودة!.
والغريب أنه لا
يذكر أسماء كتب لعلماء مسيحيين قد اعترفت بوجود
رسائل ضائعة لبولس! لعله لا يعرف عن هذه الكتب
شيئاً، بل لعله لا يعرف حتى أن ينطق بأسمائها!
فهو ينقل فقط عن بعض الكتب التي كتبها مدافعون عن
المسيحية وتجاهل الكتابات الإسلامية النقدية
العلمية التي ردت عليه، والتي كشفت عن تدليسات
رهيبة وجهالات عجيبة للقمص عبد المسيح!
الأغرب أنه
يتهم المسلمين بما يقوم به هو نفسه! وراح في
أوهامه وتخيلاته يقول: "وتجاهل،
هؤلاء الكتاب الذين يشككون في المسيحية، الكتب
المسيحية العلمية والوثائقية التي ردت عليها"
هكذا يضع تخيلاته وأوهامه ويتكلم بغير علم ولا
دليل، ويزعم أن رجال المسيحية لا يعتقدون بأن هناك
رسائل لبولس ضائعة! ونرد قائلين: أنه في هذا البحث
ستدركون أن القمص عبد المسيح يخفي الحقائق,
وستتعجبون من كم العلماء الذين اعترفوا بضياع
رسائل عديدة لبولس! فنجد أن القمص اختار رأياً
ضعيفاً يقول بعدم ضياع رسائل لبولس! ورفض بقية
أقوال العلماء المدققين بلا سند أو دليل! ويتخيل
ويُهيأ له - في أحلام اليقظة - أنه على الحق
المبين، ويرفض أقوال رجال الكنيسة، الذين درسوا
طرق العلم الحديثة، لإظهار ما لم يقل به جمهور
العلماء!
ونجد المسيحيين
البسطاء المساكين فرحين مسرورين بكتب أبيهم القمص,
في حين أنهم لم يفتحوا كتاباً له قط! فقط هللوا
لها دون أن يقرءوها أو يعرفوا محتواها مع أنها
متاحة أمامهم الآن سواء في كتب أو على عشرات من
مواقع الإنترنت. ولكنهم للأسف لم يقرءوها بل
اعتمدوا على عناوين الكتب التي يتخيل المسيحي من
خلالها أن أبيهم القمص قد أجاب على الشبهة!
فالمقلدون للقمص من أهل ملته قبلوا أن يكونوا من
أتباعه دون أن يدققوا في كتاباته وسيكون ذلك شأن
أمثالهم إلى ما شاء الله,
إلا أن يشرح الله صدورهم وأن يفتح الله بصائرهم
فيبحثوا عن الحق ويدققوا في المكتوب لعل وعسى أن
يوفقهم الله عز وجل إلى الإسلام.
سنتناول أقوال
العلماء حول النصين الذين ذكرهما القمص في كتابه
(كورينثوس الأولى 5: 9 كتبت إليكم في الرسالة),
و(كولوسي 4: 16 والتي من لاودكية تقرأونها انتم
ايضا), وهناك نصوص أخرى لم يتطرق إليها القمص في
كتابه، ربما نتكلم عنها في بحث مستقل. أحب أن أنوه
على أني لن أعرض إلا أقوال المفسرين المسيحيين
باستثناء بارت إيرمان الذي كان مسيحياً وألحد, ولن
أستنتج أي شيء من عندي , هذا وبالله التوفيق .
۞ النص الأول:
الفاندايك - كورينثوس الأولى 5:
9-11
كتبت إليكم في الرسالة
أن لا تخالطوا الزناة.
10
وليس مطلقا زناة هذا العالم أو الطماعين أو
الخاطفين أو عبدة الأوثان وإلا فيلزمكم أن تخرجوا
من العالم.
11
وأما الآن فكتبت إليكم:
إن كان أحد مدعو أخا زانيا أو طماعا أو عابد وثن
أو شتاما أو سكيرا أو خاطفا أن لا تخالطوا ولا
تؤاكلوا مثل هذا.
هناك العديد من
المفسرين اعترفوا أن هناك من قال بضياع رسائل
لبولس مع ذكر الرأي الآخر المقابل له ثم الوقوف
على الحياد, ونجد أن هناك من وضح لنا أن المرء قد
يُصاب بالحيرة عند تفسير النص مثل ألبرت بارنز
الذي يقول:
(قد
كتبت (ἔγραψα
egrapsa).
هذه الكلمة قد تشير إما إلى هذه الرسالة
أو إلى رسالة أخرى سابقة.
الكلمة ببساطة تشير إلى أنه قد كتب إليهم, ولكن
سواء في مكان سابق في نفس الرسالة أو في رسالة
أخرى سابقة ولكنها الآن مفقودة, لا نستطيع أن نقرر
باستخدام هذه الكلمة وحدها),
ألبرت يقول أن بكلمة (ἔγραψα)
وحدها والتي تعني "كتبت" لا نستطيع أن نحكم على
المعنى بدقة ولكننا سنجد بعد هذه العبارات أن
ألبرت يقوم بتفسير بقية النص ويضع الدليل ومن بعده
البرهان على أن النص يشير إلى ضياع رسالة لبولس!
سنقوم بعرض أدلته فيما بعد.
نجد في تفسير
المبشرين الآتي:
(من الواضح أنه كان
قد كتب رسالة حول هذه المسألة سبقت 1 كورنثوس
لأنه ينص بوضوح
"أنا كتبت إليكم في رسالتي أن لا تخالطوا الذين
يفعلون الأمور الجنسية المشينة" (ع9) أي رسالة
أخرى؟ كان هناك العديد من التكهنات حول هذا.
العديد من المفسرين يعتقدون أنها تشير إلى رسالة
أخرى سابقة مفقودة الآن بينا يعتقد الآخرون أنها
تشير إلى جزء من رسالة كورنثوس الثانية).
نجد أيضاً أن
القمص تادرس يعقوب مالطي يوضح لنا أن هناك من قال
فعلاً أن النص يشير إلى رسالة مفقودة لبولس فيقول:
(بينما يرى البعض أن
الرسول يشير
هنا إلى رسالة سبق فكتبها إليهم بخصوص هذا الأمر,
يرى البعض أنه يتحدث هنا عن ما سبق فكتبه في نفس
هذه الرسالة. يرى القديس يوحنا ذهبي الفم وثيؤدورت
وأغلب المفسرين اللاتين مع إجماع الكتاب الألمان
بأن النص هنا يشير إلى ذات الرسالة وليس إلى رسالة
سابقة مفقودة) ويوافقه في ذلك متى هنري
الذي يقول:
(النصيحة نفسها "كتبت
إليكم في الرسالة ألا تخالطوا الزناة"
يُفكر البعض أنها رسالة
كان قد كتبها الرسول إليهم قبلا ولكنها فُقدت
ويفكر آخرون بأنها هي الرسالة ذاتها), إذن
هناك من قال بالفعل أن النص يشير إلى رسالة مفقودة
لبولس, وهؤلاء ليسو مسلمين! ولكنهم علماء كبار من
غير المسلمين أفنوا أعمارهم في دراسة العهد
الجديد. وسنقوم بعرض أقوالهم والتعليق عليها إذا
لزم الأمر.
نبدأ بالعالِم
الذي يظهر للمسيحيين في كوابيسهم, وهو بارت إيرمان
الذي يعلن ضياع رسائل لبولس بمنتهى البساطة, فيقول
في كتابة سوء اقتباس يسوع:
(بالنسبة لبولس, نستطيع
أن نفترض أنه
قام بكتابة العديد من الرسائل غير التي نجدها في
العهد الجديد.
في مناسبات عديدة
يذكر بولس رسائل أخرى لم
تعد موجودة الآن؛
في كورنثوس الأولى 5: 9 - على سبيل المثال - يذكر
رسالة قام بإرسالها إلى أهل كورنثوس في وقت ما قبل
رسالته الأولى إلى كورنثوس).
أعلم جيداً أن
الكثير من المسيحيين سيرفضون أي أقوال لبارت
إيرمان, لذلك سنأتي لهم بالمزيد, فنجد في تفسير
وليام باركلي الآتي:
(يبدو أن بولس كان قد
كتب رسالة إلى الكورنثيين يحثهم فيها على الامتناع
عن مخالطة الناس الأشرار), أيضاً روبرتسون
وبلامير في تفسيرهما
قالاً: (أنا كتبت لكم
في رسالتي, في الرسالة التي كانت معروفة جيداً لدى
الكورنثيين,
رسالة مكتوبة قبل كورينثوس الأولى ولكنها الآن
مفقودة) .
أتمنى أن لا
تملوا من كثرة الاستشهادات بأقوال العلماء, فهذا
كله من أجل أن نبين للمسيحي كم أن موقف القمص عبد
المسيح ضعيف. يقول بارسلي المُحاضر في جامعة
جلاسجو الآتي:
(يظهر لنا أن بولس كان
قد كتب مُسبقاً رسالة إلى الكورنثيين تناقش فيها
معهم حول تجنب المجتمع الذي يحتوي على رجال أشرار),
وموجود أيضاً في تفسير الوُعاظ:
(في الرسالة , أي
في رسالة ما
سابقة إلى
الكنيسة ولكنها ليست موجودة الآن بين أيدينا),
هذا بالإضافة إلى تفسير الـ
IVP
نجد:
(أنا كتبت لكم في
رسالتي: هذه
هي الإشارة الأولى الواضحة في العهد الجديد إلى
رسالة رسولية لم تُحفظ في قانون العهد الجديد
, يبدوا أن هناك رسائل أخرى مفقودة أيضاً)
.
هذه الشهادات
جميعها تعتبر لا شيء بجانب ما أورده التفسير
التطبيقي للكتاب المقدس:
(5: 9 يشير الرسول بولس
هنا إلى رسالة سابقة أرسلها للكنيسة في كورنثوس,
كما يرى البعض, وكثيراً ما تسمى "الرسالة
المفقودة", لأنها لم تصل إلينا), الكلام
نفسه مذكور في النسخة الإنجليزية أيضاً,
هل هناك اعتراف أسهل وأبسط من هذا؟ ليس هذا فحسب
بل إن هذه الرسالة تُسمى الرسالة المفقودة!
كان بودي أن
أقول أنه ليس هناك أروع مما سبق, ولكن في الحقيقة
هناك أروع من هذا! لأن لدينا شهادات لعلماء
مسيحيين يقولون أن هناك رسائل كثيرة لبولس مفقودة!
منهم المفسر جون ويسلي الذي يقول:
(أنا كتبت لكم في رسالة
سابقة - وبلا شك فإن القديس بولس وغيره من الرسل
قاموا بكتابة
العديد من الأشياء الغير موجودة عندنا الآن)
. في تفسير كيلفن الشهير نجد الآتي:
(كتبت إليكم في رسالة.
الرسالة التي
يتكلم عنها لم تبقى حتى يومنا هذا
. بالإضافة أنه لا يوجد هناك شك أن
هناك رسائل أخرى كثيرة
مفقودة) .
أما وليام
ماكدونالد فقام بالتلميح إلى هذا الشأن فنجده يقول:
(هنا يشرح الرسول لأهل
كورنثوس أنه
كان قد كتب إليهم رسالة
قال لهم فيها أن "لا تخالطوا الزناة". إن كون
الرسالة المشار إليها
قد ضاعت
لا يؤثر في وحي الكتاب المقدس البتة.
فليس كل ما كتبه بولس
(غير الرسائل الموجودة في كتا العهد الجديد)
موحى به
, بل فقط كل ما رأى الله أنه من الضروري ضمه إلى
الكتاب المقدس) وهذه إشارة واضحة صريحة بأن
بولس كتب رسائلَ أخرى ولكنها مفقودة ولم تُحفظ لنا.
جميع الشهادات
السابقة في جانب, وشهادة الدكتور وليم إدي في جانب
آخر, فقد قدم لنا كلاماً رائعاً في تفسيره المُسمى
بالكنز الجليل حيث يقول:
(كتبت إليكم في
الرسالة: ذهب بعض المفسرين أنه عنى بهذا كلاماً
سبق في هذه الرسالة
والذي يعارض هذا المذهب
أنه ليس في ما سبق مثل هذا النهي.
وذهب آخرون (ومذهبهم
هو الأرجح)
أنه أشار بذلك إلى رسالة مختصرة أرسلها قبلاً
إليهم مقصورة على فائدتهم دون غيرهم من الكنائس
ولذلك لم يعتن
الروح القدس بأن تُحفظ.
ولا عجب من أن يكون الرسول قد
كتب كثيراً من الرسائل
إلى ما أسسه من الكنائس الكثيرة إجابة على مسائل
منها وبغية تعليمها وتزيتها وأن
تلك الرسائل أكثر من
الرسائل الأربع عشرة التي بقيت لنا.
ولكن لنا أن نؤكد أن للكنيسة الآن كل صحف الوحي
التي قصد الله أن تبقى لتعليمها ونيانها) .
كلام رائع جداً
وجميل. الآن سنقوم بعرض تفاسير لعلماء كبار قالوا
بأن النص يشير إلى رسالة مفقودة وقدموا لنا من
الأدلة والبراهين والحُجج ما يدل على ذلك, هذا
البحث في واقع الأمر ليس رداً من التاعب على
القمص, ولكنه تجميع لردود العلماء المسيحيين على
من يدّعي أن النص لا يشير إلى رسالة ضائعة, أما
بخصوص قضية الوحي أو غيرها من الحجج الواهية
فسنقوم بتفنيدها ومناقشتها فيما بعد.
يقدم لنا ديفد
جارلاند في تفسيره الأدلة التالية:
(الفعل
(ἔγραψα)
ليست الرسالة الحالية "أنا أكتب"
ولكنها ماضي حقيقي
"أنا كتبت" . وعندما يضيف بولس عبارة (ἐν
τῇ ἐπιστολῇ)
"في الرسالة" كما في كورنثوس الثاني 7: 8
فهو يشير بوضوح إلى رسالة سابقة).
نجد أن هذا الكلام أيضاً مذكور في تفسير ثيسيلتون:
(بعض
آباء الكنيسة يتبعهم إيرازموس يترجمون كلمة (ἔγραψα)
في العدد التاسع كإشارة إلى الرسالة نفسها, ولكن
هذا الرأي مستبعد بسبب
(ἐν
τῇ ἑπιστολῇ)
"في الرسالة". الرأي الذي يقول بأن بولس كتب رسالة
سابقة يعود إلى المفسر الـلاتيني القديم
أمبروسيستر (384م) وتبنى هذا الرأي كالفن, بيزا,
إستيوس, جروتيوس, بينجيل, ومن بعدهم جميع المفسرين
العصريين تقريباً).
يقول هودج في
تفسيره:
(كالفين, بيزا و جميع
المفسرين العصريين تقريباً يفهمون "الرسالة" على
أنها تشير إلى
رسالة لم تعد موجودة الآن.
من الواضح أن هذا هو التفسير المنطقي, أولاً: لأن
عبارة "في الرسالة" ليست لها قيمة إذ لم يقصد بها
رسالة سابقة, ثانياً: لأن الرسالة الحالية لا
تحتوي على أي تعليمات خاصة بعدم مخالطة المنحرفين
أخلاقياً, ويبدو أن الكورنثيين لم يفهموا هذه
التعاليم).
كيستميكر
وهيندريكسون قالا:
(كتبت
إليكم في رسالتي. للعديد من الأسباب لا نستطيع أن
نفترض أن بولس يشير إلى الرسالة نفسها. أولاً:
باستثناء الرجل الذي يسافح محارمه,
فلم يذكر أي شيء عن أناس
منحرفين أخلاقياً.
ثانياً: العبارة "كتبت إليكم في رسالتي" حرفياً:
"في الرسالة"
تفترض شيء حدث في الماضي,
وفي العدد 11: "أما الآن فقد كتبت إليكم"
تشير إلى النقيض.
وفي النهاية,
بولس كتب الكثير من الرسائل والتي لم تصبح جزءاً
من العهد الجديد.
وعلى هذا الأساس نفهم أن بولس يشير إلى رسالة
سابقة لم تُحفظ لنا).
ويقول المفسر
الكبير جون جيل في تفسيره:
(كتبت إليكم في
الرسالة, ليس
في هذه الرسالة نفسها,
أو في كورنثوس الأولى 5: 2 كما يظن البعض ؛
لأن ما يقوله بولس في
النص غير موجود في أي نص,
ولكنه موجود
في رسالة أخرى مبعوثة لهم من قبل,
كما هو واضح من كورنثوس الأولى 5: 11 (وأما الآن
كتبت إليكم) والتي إما لم تصلهم أو أنهم لم يهتموا
بها, لذلك نجد أن بولس يعيد تذكيرهم بهذا الأمر
لأنهم لم يهتموا بنصيحته سابقاً, لأنهم ما زالوا
يظهرون الشخص الذي يسافح محارمه, ولكن هذا
الافتراض - أي ضياع رسالة لبولس - لا يؤثر في كمال
الكتاب المقدس , لأن ليس جميع رسائل بولس موحى بها
من الله, ولكن الكثير منها موحى بها من الله,
وكانت هذه الرسائل مهمة لكمال قانون الكتاب المقدس).
الجميل أننا
نجد أحد المفسرين واسمه أوستر يذكر أهمية الإشارة
لرسالة غير موجودة الآن فيقول:
(هذه
الإشارة لرسالة سابقة مهمة لأكثر من سبب, أولاً:
بولس يذكر الكورنثيين القُراء أن هذه ليست المرة
الأولى التي يكتب فيها بولس لهم بخصوص الأمور
الـلاأخلاقية, ثانياً: تتيح الفرصة لبولس أن يوضح
أي سوء فهم أو سوء تفسير للرسالة السابقة بخصوص
محاكمة اللاأخلاقيين, ثالثاً: تتيح الفرصة لبولس
بأن يتوقع العديد من الانحرافات الأخلاقية والتي
لابد له أن يتصرف معها من خلال التذكير في رسالة
كورنثوس الأولى).
الآن سنقوم
بعرض أفضل نقاش حول عبارة "في الرسالة" من تفسير
آلبرت بارنز الشهير والذي قام بعرض الموضوع بمنتهى
الأمانة وعرض الدليل تلو الآخر على أن الرأي الذي
يقول بأن النص يشير إلى رسالة مفقودة هو الصحيح,
وإليكم ترجمة كاملة لما ورد في تفسيره:
عرض أمين
لحُجج الذين يقولون بأن العبارة تشير إلى الرسالة
نفسها:
في رسالة -
ἐν τῇ ἐπιστολῇ
. كان هناك اختلاف كبير في الرأي بخصوص هذه
العبارة. عدد كبير من المفسرين مثل كريسوستوم,
ثيودوريت, أويسومينيوس, أغلب المفسرين الـلاتين,
وجميع المفسرين الألمان تقريباً, يفترضون أن
العبارة تشير إلى الرسالة نفسها (كورنثوس الأولى),
وأن الرسول يقصد بالعبارة الإشارة إلى جزء من
الرسالة نفسها (كورنثوس الأولى 5: 2) والتي فيها
أعطاهم هذا التعليم. ولتدعيم هذا التفسير قالوا أن
(τῇ)
مستخدمة بدلاً من (ταυτῇ)
ويشيرون إلى نصوص مثل (روميا 16: 2 , كولوسي 4: 6,
تسالونيكي الأولى5: 27 , تسالونيكي الثانية 3:
3-4).
عرض للرأي
الصائب الذي يقول بأن العبارة تشير إلى رسالة
سابقة:
كثيرون آخرون مثل: جروتيوس,
دودريدج, روسينمولير إلخ - يفترضون أن العبارة
تشير إلى رسالة أخرى سابقة ولكنها الآن مفقودة,
والتي قد تم إرسالها إليهم قبل وصول الرسل لهم.
هذه رسالة ربما كانت مختصرة جداً, وربما كانت
تحتوي على أكثر من هذا التعليم - أي عدم مخالطة
الزناة - بقليل. كون هذا هو الرأي الصحيح قد يظهر
من الاعتبارات التالية:
الأدلة التي
من أجلها يعتقد آلبرت أن الرأي الثاني هو الصواب:
1. هو التفسير الواضح والطبيعي -
أي القول بأن بولس يقصد رسالة سابقة - التفسير
الذي سيخطر للسواد الأعظم من الناس. أنه ببساطة
التعبير الذي كان سيستخدمه بولس لو كان يريد
الإشارة إلى رسالة سابقة.
2. أنه ذات التعبير المستخدم في
(كورنثوس الثانية 7: 8
ἐν τῇ ἐπιστολῇ
في الرسالة), والذي فيه يشير إلى رسالة كورنثوس
الأولى كرسالة أرسلها لهم سابقاً.
3. ليس صحيحاً أن بولس أشار إلى
عدم مخالطة الزناة في أي مكان سابق في الرسالة.
لقد أمرهم أن يخرجوا الزاني من بينهم, ومثل هذا
الأمر قد يبدوا في الظاهر أنه يجب عليك أن لا
تخالطه, ولكنه لم يكن أمر عام لجميع الزناة, أن لا
يخالطوهم.
4. من المحتمل تماماً أن بولس قد
كتب رسائل كثيرة لم تُحفظ لنا. لدينا 14 رسالة,
ولكن بولس قام بالتبشير لسنوات عديدة, قام بتأسيس
العديد من الكنائس, وكان لديه الوقت الكافي لكتابة
رسالة لكورنثوس.
5. نحن نعلم أن عدداً من الكتب قد
ضاعت, هذه الكتب كانت إما موحى بها أو صاحبة
سُلطان من قِبل رجال يوحى لهم من الله. مثل سفر
ياشر, وسفر يعدوا الرائي إلخ مشار لهم في العهد
القديم, ولا نجد إشكالاً في أن نجد مثل هذا يحدث
بالنسبة لكتبة أسفار العهد الجديد.
6. في (كورنثوس الأولى 5: 11
νυνὶ δὲ ἔγραψα ὑμῖν
وأما
الآن فكتبت إليكم), أنه يميز صراحة بين الرسالة
التي كان يكتبها لهم في وقتها وما قام بكتابته
سابقاً. "وأما الآن" أي في هذه الرسالة الحالية.
"كتبت لكم" (ἔγραψα
ὑμῖν),
تعبير لم يكن سيستخدمه إذا كان يريد الإشارة إلى
الرسالة نفسها. هذه الاعتبارات تبدو لي أنها ستظل
بدون إجابة, وتثبت أن بولس أرسل رسالة أخرى لهم
أعطى لهم فيها الأمر بعدم مخالطة الزناة.
7. هذا الرأي - أي القول بأن
العبارة تشير إلى رسالة سابقة - موجود في عدد كبير
جداً من التفاسير. على سبيل المثال كالفين يقول: (كتبت
إليكم في رسالة. الرسالة التي يتكلم عنها لم تبقى
حتى يومنا هذا. بالإضافة إلى أنه لا يوجد شك أن
هناك رسائل أخرى كثيرة مفقودة,
ولكن تكفينا الرسائل الباقية لنا وحيث أن الرب هو
الذي رأي أنها صالحة لنا).
كان هذا أروع
نقاش وجدته في كتب المفسرين حول عبارة بولس "كتبت
إليكم في الرسالة" , آلبرت عرض ما عليه
أولاً ثم عرض ما له بكل قوة و وضوح فبين بما لا
يدع مجالاً للشك أن التفسير الصحيح هو أن بولس
يقصد رسالة سابقة أرسلها لكورنثوس ولكنها لم تعد
موجودة الآن. آلبرت قام بوضع دفاع عن عصمة الكتاب
بعد اعتبار أن التفسير الثاني هو الصحيح, وسنرد
عليها لاحقاً.
۞ النص الثاني:
الفاندايك - كولوسي 4: 16
ومتى قرئت عندكم هذه الرسالة
فاجعلوها تقرأ ايضا في كنيسة اللاودكيين،
والتي من لاودكية تقرأونها انتم
ايضا.
كتاب الحياة
وبعد أن تقرأ هذه الرسالة عليكم،
ابعثوا بها لتقرأ على كنيسة مؤمني لاودكية،
وخذوا الرسالة التي عندهم لتقرأوها
أنتم أيضا.
الأخبار السارة
وبعد قراءة هذه الرسالة عندكم،
أرسلوها إلى كنيسة لاودكية لتقرأها،
واطلبوا رسالتي إلى لاودكية
لتقرأوها أنتم أيضا.
الآباء اليسوعيين
فإذا قرئت هذه الرسالة عليكم،
فاسعوا لأن تقرأ في كنيسة اللاذقية أيضا،
ولأن تقرأوا أنتم أيضا رسالة
اللاذقية.
وجدنا في النص
الأول براهين وأدلة تجعلنا نتأكد أن هناك - على
أقل تقدير - رسالة ضائعة لبولس, ولكن هذا ليس كل
شيء, فهناك نصوص أخرى كثيرة تجعل الباحث الأمين
يعتقد أن هناك رسائل أخرى ضائعة لبولس لا يوجد لها
أي أثر الآن. من هذه النصوص ذلك النص الموجود في
رسالة كولوسي 4: 16 (والتي
من لاودكية
تقرأونها
انتم ايضا) والتي نجدها في اليونانية (και
την εκ λαοδικειας
ινα και υμεις αναγνωτε),
ولأن النص اليوناني قد يحمل أكثر من معنى فقد
اختلف العلماء حول تفسير النص, فذهب فريق من
العلماء إلى الرأي القائل بأن العبارة تشير إلى
رسالة لبولس ولكن هذه الرسالة هي الرسالة لأفسس,
ورأي آخر يقول بأن العبارة تشير إلى رسالة مفقودة
لبولس ليس لها وجود الآن, ورأي آخر يقول بأن
العبارة تشير إلى رسالة مكتوبة من كنسية لاودكية
ليس لها وجود الآن.
أما رأي القمص
عبد المسيح بسيط فهو أن العبارة تشير إلى رسالة
خارجة من كنيسة لاودكية, فيقول القمص:
(فهي ليست رسالة مرسلة
إلى لاودكية بل خرجت من لاودكية) ومع ذلك
يقول أن هذه الرسالة هي رسالة بولس إلى أهل أفسس
فيقول:
(وقد نقل الآباء، خاصة
ترتليان، عن مركيون قوله أنها هي نفسها الرسالة
إلى أفسس. وهذه ما صدق عليه أيضاً العلامة
هيبوليتوس بتأكيده أنها هي نفسها الرسالة إلى أفسس).
بغض النظر عن
أن مركيون مُهرطق يؤمن بأن للكون إلهين, نجد أن
القمص عبد المسيح بسيط في كتاب آخر له تكلم عن
قانون العهد الجديد الذي وضعه مركيون فيقول:
(ظهر مركيون ووضع لنفسه
قانونا للعهد الجديد، خاص به وحده وبشيعته، هذا
القانون يتكون من إنجيل الرب الذي أخذه عن الإنجيل
للقديس لوقا فقط وعشر رسائل من رسائل القديس بولس،
وأسمى قانونه هذا بـ "الإنجيل والرسول" ورفض بقية
العهد الجديد وكل العهد القديم). رغم كل
هذا يقبل القمص النقل عن مهرطقٍ له أفكار وثنية,
ولماذا؟ لأن فكره في هذه النقطة موافق لهوى القمص,
فهذه هي المسيحية وآباء المسيحية, ينقلون ما يرونه
مناسباً حتى ولو كان من المهرطقين.
في البداية يجب
علينا أن نعلم جيداً أن الرأي الأخير القائل بأن
العبارة تشير إلى رسالة مكتوبة من كنسية لاودكية
إلى بولس الرسول وهو أقل الآراء منطقية لذلك لا
نجد له الكثير من المؤيدين , بل أنني وجدت الكثير
من المفسرين يردون على هذا الرأي بأدلة منطقية
كثيرة كما سنرى فيما بعد. يقول وسلي في تفسيره:
(الرسالة من لاودكية
وليس إلى لاودكية . ربما كانت رسالة مبعوثة إلى
القديس بولس من هناك). هذا ما يعتقده وسلي
ويعرضه لنا بمنتهى الإختصار والبساطة .
نجد "تفسير
الكلمة" للكتاب المقدس يقول:
(عليهم - أي أهل كولوسي
- أن يحصلوا على رسالة مُعينة من لاودكية وأن
يقرأوها على الملأ في كنيسة كولوسي. الكثير من
الحبر تم بذله من أجل كشف حقيقة هذه "الرسالة من
لاودكية" الكثير من آباء الكنيسة الأولى والكثير
من المؤلفين بما فيهم بيزا يفترضون أن هذه رسالة
مكتوبة من لاودكية إلى بولس).
بعد هذا الكلام
وجب علينا أن نبين أمراً هاماً للغاية, هذه
الرسالة حتى وإن لم تكن رسالة لبولس, بل رسالة من
كنيسة لاودكية إلى بولس, أياً كان الكاتب فهذا لن
يُحدث فارقاً معنا في شيء، ولكن الرسالة نفسها هي
التي تهمنا لأنه من خلال النص ندرك جيداً أن هذه
الرسالة لها سُلطان, أي أنها تحتوي على تعاليم يجب
على كنيسة كولوسي إتباعها, لذلك أمر بولس أهل
كنيسة كولوسي أن يقوموا بقراءة هذه الرسالة في
كنيستهم. فإن كانت الرسالة بهذه الأهمية وبعد هذا
تضيع فهناك مشكلة لأنها رسالة كنسية من الدرجة
الأولى تم تناقلها بين الكنائس المختلفة ومع ذلك
لم يستطع المجتمع المسيحي الأول الحفاظ على
الرسالة. ولكن في النهاية يجب أن ننوه مرة أخرى
بأن هذا الرأي ضعيف جداً وقد رد عليه الكثير من
العلماء.
الآن سنقوم
بعرض أقوال المفسرين الذين قالوا بأن العبارة تشير
إلى رسالة لبولس، ولكن هذه الرسالة هي نفسها
الرسالة إلى أهل أفسس. يقول الدكتور وليم إدي في
تفسيره:
(والتي من لادكية إلخ:
لا توجد رسالة قانونية إلى لاودكية
وقد أجمع المفسرون
على أن الرسالة المشار إليها هنا هي الرسالة إلى
أفسس لأنهم اعتبروها رسالة إلى كل الكنائس
المجاورة لأفسس لا إلى كنيسة أفسس وحدها),
الكلام نفسه موجود في الموسوعة الكنسية لتفسير
العهد الجديد:
(ع16: هنا يطلب بولس من
أهل كولوسي أن يرسلوا هذه الرسالة بعد قراءتها إلى
لاودكية لتقرأ هناك, على أن يطلبوا من لاودكية
الرسالة التي أرسلها بولس إليهم لتقرأ عندهم
أيضاً, وقد
أجمع المفسرون
على أن الرسالة المقصودة هي رسالة أفسس لأنها كانت
موجهة إلى كل الكنائس المجاورة لأفسس وليس لكنيسة
أفسس فقط).
أريد من كل
قارئ أن ينظر جيداً إلى عبارة "قد أجمع المفسرون".
لا أدري ماذا أقول, هل أطلب من الذين قاموا بقراءة
العبارة أن يضحكوا؟ ما هذا الإجماع, هل تعرف
المسيحية إجماعاً أصلاً؟! متى اجتمعت المسيحية على
شيء في أي زمن من الأزمنة أو عصر من العصور؟ إن
هذا لشيء عُجاب! نجد المفسر المسيحي يستخدم كلمات
لا يدرك معانيها مثل إجماع وتواتر وكلمات أخرى لم
يسمعوا عنها إلا لأنهم يعيشون في بلاد تدين
بالإسلام. سترون بأعينكم عدد المفسرين الذين قالوا
بعكس هاذين التفسيرين, ولا نملك إلا أن نقول
لهؤلاء المفسرين الذين يدّعون وجود إجماع حول
مسألة ما: اتقوا الله فإن المسيحية لا تعرف
الإجماع.
بعد إدعاء
الإجماع الباطل هذا نجد أنطونيوس فكري يقول:
(والتي من لاودكية =
الأرجح
هي الرسالة المعروفة باسم أفسس, فقد كانت رسالة
أفسس رسالة دورية مرسلة إلى كل كنائس آسيا التي
عاصمتها أفسس, وربما كانت كنيسة لاودكية هي أكبر
الكنائس أو أشهرها). الآن أصبح هذا الرأي
هو الأرجح بالنسبة لأنطونيوس فكري! لم يعد هناك
إجماع حيث أن أنطونيوس يدرك جيداً عدد المفسرين
المخالفين لهذا الرأي.
في النهاية
نعرض ما قاله مونتي ميلز في تفسيره:
(الإشارة إلى الرسالة
إلى الـلاودكيين أثارت العديد من المناظرات وكانت
الدافع لكتابة العديد من الأعمال الأبوكريفية.
أبسط تفسير يكمن في حقيقة أن العديد من المخطوطات
القديمة في أفسس 1:1 تحذف كلمة "أفسس" من النص.
هذا الأمر يمكن فهمه بافتراض أن الرسالة إلى أفسس
كانت في الواقع رسالة عامة, والأسماء يتم إدراجها
بواسطة تخيكس الذي يرسل الرسائل إلى كنائس آسيا
المختلفة). قول ميلز هو أقصى ما لديهم,
لاحظ أنه يقول أبسط تفسير ولا يقول أرجح تفسير أو
أصوب تفسير فإن كل ما يقوله مجرد افتراضات ليس
عليها دليل.
عندما نقرأ
تفسير وليام ماكدونالد لهذا العدد نجده يوضح لنا
أن أقوال المفسرين السابقين مجرد ظنون وافتراضات
فيقول:
(بولس يدعو أيضاً إلى
ضرورة قراءة الرسالة التي من لاودكية في كولوسي,
لا سبيل لنا
إلى معرفة مضمون الرسالة المشار إليها هنا.
يظن
بعضهم أن "الرسالة إلى أفسس" هي المقصودة هنا. ذلك
لأن بعض المخطوطات حذفت العبارة "إلى أفسس" من
أفسس 1:1. وهذا ما حدا بعض المفسرين إلى الاعتقاد
أن الرسالة إلى أفسس كانت بمثابة رسالة دوارة أو
سيارة معدة لتقرأ في عدة كنائس مختلقة تضم مثلا
أفسس, ولاودكية ومن ثم كولوسي). يقول الله
عز وجل في كتابه الكريم: (وَمَا
لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا
الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ
الْحَقِّ شَيْئاً )[النجم: 28], فيا ليت
الذين يدّعون إيماناً علمياً أن يراجعوا أنفسهم
ويتركوا هذه الظنون ويتوجهوا للحق المبين.
عندما ننظر إلى
أقوال الذين يقولون بأن العبارة تشير إلى رسالة
مفقودة لبولس, نجد أن التفاسير المُترجمة إلى
العربية تُرَجِّح هذا الرأي على استحياء شديد
جداً, فيبدو أن الكنيسة تختار جيداً أيُ التفاسير
تُتَرجم, على سبيل المثال عندما ننظر إلى التفسير
التطبيقي نجد الآتي:
(يظن البعض أن "الرسالة
إلى كنيسة اللاودكيين" هي الرسالة إلى أفسس,
ولكن الأكثر
احتمالا أنه
كانت هناك رسالة خاصة إلى الكنيسة في لاودكية,
ليست بين
أيدينا الآن,
إذ أن الرسول بولس كتب بعض رسائل أخرى لم تصل
إلينا).
نجد أيضاً في
تفسير متى هنري:
(الذين في لاودكية:
كانوا يعيشون بالقرب من كولوسي لذا أرسل لهم بولس
تحياته كما أوصى بأن تقرأ هذه الرسالة في كنيسة
لاودكية, وقد كان هذا سببا في
ظن
البعض بأن بولس كان قد أرسل إلى لاودكية رسالة
أخرى في ذلك الوقت "والتي من لاودكية تقرؤونها
أنتم أيضاً".
فإن كان هذا الرأي صحيحاً فهو يعني فقدان هذه
الرسالة المذكورة), وكأن لسان حاله
يقول مُجبر أخاك لا بطل!
في ظل هذه
الشكوك والظنون نجد في تفسير مارتن
طرح للعديد من الأسئلة حول كيفية فقدان الرسالة,
هو يعلم جيداً أن النص يشير إلى رسالة مفقودة
لبولس ولكن كيف فقدت الكنيسة نص الرسالة؟ هذا هو
شغله الشاغل, فنجده يقول: (الرسالة
إلى الـلاودكيين, والتي تُمرر على الكنائس باسم
"الرسالة من لاودكية"
مفقودة لأسباب لا نستطيع
إلا أن نخمنها.
هل تم فقدانها في الزلزال الذي كان في عام 60م كما
اعتقد هاريسون؟ هل تم تدميرها أو حظرها عندما فقدت
الكنيسة هويتها المسيحية؟ هل حفظت الرسالة في
الرسالة القانونية المعروفة باسم أفسس, كما في
قائمة ماركيون أم أنها هي الرسالة الأبوكريفية
المعروفة باسم "الرسالة إلى لاودكية"؟ هل هي رسالة
مفقودة مكتوبة بواسطة إبافراس ولذلك نُبذت لأنها
من إنتاج كاتب غير معروف؟ من يستطيع أن يخبرنا ؟
لا نعرف).
عندما نتوغل
أكثر وسط التفاسير نجد قولاً مثل قول بروس بارتون
الذي أورد أشهر رأيين حول تفسير العبارة ومال
كثيراً ناحية الرأي الذي يقول بأن الرسالة كانت
لبولس وهي الآن مفقودة, موضحاً أن الاعتقاد بفقدان
رسائل لبولس ليس بالأمر الغريب على الكنيسة ولكنها
حقيقة واقعة يدركها العلماء جيداً فيقول: (دور
الكلوسيين كان أن يقوموا بقراءة الرسالة التي من
لاودكية. هذه
لم تكن رسالة مكتوبة بواسطة الـلاودكيين ولكن
بالأحرى كانت رسالة مبعوثة لهم حتى يمرروها
لكولوسي.
معظم الدارسين يقترحون أن الرسالة ربما كانت هي
سفر أفسس لأن الرسالة إلى أفسس كانت مبعوثة لتمر
على كنائس أسيا الصغرى. وهناك أيضاً احتمالية وجود
رسالة مخصوصة مبعوثة للـلاودكيين, ولكنها ليست
معنا الآن.
بولس كتب رسائل عديدة ولكنها الآن مفقودة
(على سبيل المثال: نعم أنه على الأرجح كان هناك
أربع رسالة إلى الكورنثيين, ولكن اثنان منهم فقط
في الكتاب المقدس).
أو أن الرسالة لم تبق
محفوظة حتى نضمها إلى العهد الجديد
لأن كنيسة لاودكية في وقت لاحق تم انتقادها لكونها
فاترة, الرؤيا 3: 14-22).
كلام بروس
بارتون في غاية الخطورة, بل إنه أورد كلاماً لم
أقرأ مثله من قبل, ولا أدري هل كان واعياً لما
يكتب أم لا! دققوا جيداً في عبارته الأخيرة (لم
تبق محفوظة حتى نضمها إلى العهد الجديد)
ولا أريد من أحد أن يتهمني بسوء الترجمة لذلك حرصت
على عرض النص الإنجليزي الأصلي لكل مقطع, وفي هذه
العبارة نجده يقول: (the
letter may not have survived to be included in
the New Testament)
ويا لها من عبارة في غاية القوة والخطورة حيث أنه
يقول لنا بكلمات واضحة صريحة ما معناه أن سبب عدم
وجود هذه الرسالة ضمن العهد الجديد هو فقدانها.
هذا الرجل يقول لنا أن العهد الجديد كان سيحتوي
على رسالة أخرى لبولس ولكن هذه الرسالة فُقِدت!
مرة أخرى أقول
لكم أنني
كنت أتمنى أن أقول أنه ليس في
الإمكان أروع مما كان, ولكن في الحقيقة هناك أروع
من هذا!
فنجد أن كابوس المسيحية بارت إيرمان يقول لنا أن
رسالة كولوسي رسالة مفبركة لم يكتبها بولس أصلاً!
وهذه الرسالة المفبركة تشير إلى رسالة مفقودة! ما
هذا الإبداع؟! يقول بارت إيرمان في كتابه الشهير
سوء اقتباس يسوع:
(إحدى هذه الرسائل
المزيفة المكتوبة بواسطة أشخاص مجهولين,
رسالة كولوسي,
والتي توضح لنا أهمية الرسائل وتذكر
لنا أيضاً رسالة لم تعد موجودة:
(ومتى
قرئت عندكم هذه الرسالة فاجعلوها تقرأ أيضا في
كنيسة اللاودكيين، والتي من لاودكية تقرأونها انتم
ايضا)
كولوسي 4: 16 . من الواضح أن - إما بولس أو شخص
آخر يكتب بإسمه - كتب رسالة إلى كنيسة قريبة تُسمى
لاودكية. هذه الرسالة أيضاً مفقودة).
لسنا بصدد مناقشة صحة نسبة رسالة كولوسي إلى بولس,
فسنفرد لهذه المسألة بحثاً خاصاً له لأنه يستحق
ذلك, ولكن ما يهمنا هو شهادة بارت إيرمان - كعالم
مشهور جداً في تاريخ المسيحية المبكرة - حول ضياع
رسائل من العهد الجديد.
في تفسير
براتشر ونيدا نجد الآتي:
(كان هناك الكثير من
التخمين حول رسالة بولس إلى لاودكية. البعض اعتقد
أنها الرسالة التي تحمل الآن اسم أفسس أو فيليمون
أو حتى العبرانيين. لم ينتهِ القرن الرابع حتى
وجدنا رسالة مفبركة بعنوان "رسالة إلى
الـلاودكيين" والغير موجودة إلا في النسخ
الـلاتينية, ولكنها كانت مكتوبة باليونانية في
الأصل. الرسالة تم ضمها إلى النسخ الـلاتينية من
الكتاب المقدس من القرن السادس إلى القرن الخامس
عشر. الرسالة عبارة عن تجميع غير منطقي لعبارات
بولسية, والتي يقول عنها "لايتفوت": غير مضرة
طالما أن الخطأ ممزوج بالغباء لا يُعد مضراً.
التفسير
الأقرب إلى الصواب هو أن الرسالة التي يشير إليها
بولس مفقودة أو تم تدميرها).
في تفسير بِيت
نجد كلمات في غاية الروعة ولكنها قد تحتاج إلى بعض
الشرح: (التي من
لاودكية: وليس المكتوبة من لاودكية. لأن المسيحيون
في كولوسي بالإضافة إلى الآخرين كانوا سيقرءونها.
وهؤلاء الآخرون بالتأكيد كانوا مسيحيين من
لاودكية. فإنه
لا يمكن إلا أن تكون رسالة إلى الكنيسة هناك,
والتي كانت سترسل من لاودكية إلى كولوسي. وإن كانت
كذلك, فهذا
يجعلنا نعتقد بقوة أن بولس هو الكاتب).
المفسر بِيت يريد أن يقول لنا أن الرسالة ستأتي من
لاودكية ولكن الرسالة لم تُكتب هناك, فالرسالة في
كنيسة لاودكية من أجل المسيحيين الذين في الكنيسة
هناك, هذه الرسالة بالتأكيد كتبها بولس إلى رسالة
لاودكية, وإلا فكيف عرف أن لديهم رسالة؟ ويريد
بولس من أهل كولوسي أن يقوموا بقراءة هذه الرسالة
أيضاً, فعليهم إذن أن يطلبوا من كنيسة لاودكية أن
يرسلوا لهم الرسالة, فتكون وقتها رسالة من لاودكية
أي أن كنيسة كولوسي ستأخذ الرسالة من كنيسة
لاودكية.
هذا المفهوم
نفسه يؤكده الدكتور أنثوني آش في تفسيره:
(الـ "رسالة من
لاودكية" تم مناقشتها كثيراً . آراء مبكرة تقول أن
الرسالة
مبعوثة من بولس إلى لاودكية,
ومن ثم كانت سترسل إلى كولوسي . آراء أخرى
متأخرة تقول أن الرسالة من الكنيسة إلى
بولس. كيف
سيعرفها بولس إذن؟
هل افترض أنهم سيقومون بكتابة رد حول قراءة
الكلوسيين في الكنيسة هناك ؟ بذلت محاولات عديدة
من أجل كشف هوية الرسالة بالمقارنة برسالة أفسس
وفيليمون. حيث
أنها لا تناسب أي رسالة موجودة في العهد الجديد
فمن المفترض أنها ضائعة, كما أن هناك رسالة
كورنثية مفقودة.
هذه الفجوة أدت إلى ظهور رسالة
مُفبركة بعنوان "رسالة بولس إلى الـلاودكيين").
وهذا الكلام الرائع من الدكتور آنثوني لا يحتاج
إلى المزيد من التعليق, من كان له آذان للسمع
فليسمع.
يقول أيضاً
إيرنست مارتن في تفسيره
كلاماً غاية في الأهمية بخصوص ترجمة عبارة (التي
من لاودكية
την εκ λαοδικειας):
(عدة أسئلة محيرة تنشأ
من العدد 16 التي تشير إلى تبادل وقراءة بعد
الرسائل. ما هي الرسالة التي من لاودكية؟ من الذي
كتبها؟ ماذا حدث لها؟ لماذا هذا الأمر بتبادل
وقراءة الرسائل؟ آراء مختلفة على نطاق واسع وقد
عقدت على مر القرون.
العبارة المُترجمة إلى
"من لاودكية" تعني الرسالة التي عند اللاودكيين,
وليس رسالة من كنيسة لاودكية.
التكرار متضمن
لرسالتين من نفس المصدر
(يقصد هنا أن مصدر تعليم الكنيستين هو
بولس). قصارة جهدنا
لإعادة بناء وجهة النظر الصحيحة هي أن
الرسالة من لاودكية هي
رسالة من بولس إلى لاودكية والتي ينبغي أن تُقرأ
أيضاً في كولوسي.
يبدو أن بولس يرى الظروف مناسبة بحيث تكون هناك
فائدة من تبادل الرسائل بين الكنائس) .
وفي النهاية
نأتي بشهادة وليام باركلي
حول حقيقة ضياع رسائل كثيرة لبولس: (ربما
كانت رسالة مبعوثة خصيصاً لكنيسة لاودكية. إن كانت
كذلك فهي مفقودة, وعلى الرغم من ذلك كما سنرى بعد
قليل, هناك رسالة مزيفة إلى كنيسة لاودكية ما زالت
محفوظة لدينا.
من المؤكد أن بولس كتب
الكثير من الرسائل أكثر مما نملك حالياً.
لا نملك إلا 13 رسالة بولسية, تغطي ما يقرب 15
عاماً. لابد
أن العديد من هذه الرسائل مفقودة,
وربما كانت الرسالة إلى لاودكية ضمن هذه الرسائل
المفقودة).
۞ الردود على الدفاعيات:
بعد أن عرضنا
عشرات الأقوال من التفاسير المشهورة لدى الكنسية
القبطية وأخرى عالمية من جميع أنحاء العالم, وجدنا
أنه لا يمكن لمسيحي باحث عاقل أن ينكر ضياع رسائل
لبولس, ومع هذه الحقيقة الواضحة الجلية وجدنا أن
المسيحي ما زال يدافع عن عصمة العهد الجديد رغم
الاعتراف بضياع رسائل لبولس. هذه الدفاعات مهما
كثرت الأساليب المختلفة في عرضها نستطيع اختزالها
في عبارة واحدة بسيطة ألا وهي (هذه الرسائل ليست
من قانون العهد الجديد لذلك فإن الروح القدس لم
يحفظها).
هذا الرد
نستطيع أن نفنده بمنتهى السهولة واليسر من خلال
عبارة واحدة فقط, الكنيسة لم تجتمع قط على قانون
لأسفار العهد الجديد, ومن كان يظن أن الكنيسة
اتفقت على قانون لأسفار العهد الجديد في مجمع
نيقيه فهو واهم, ولكن قبل عرض الأدلة أريد أن أكرر
كلام بروس بارتون الذي قال عن رسالة بولس إلى
لاودكية أنها (لم تبق
محفوظة حتى نضمها إلى العهد الجديد) ولكن
بغض النظر عن هذا الكلام أريد أن أعرض عليكم بعض
الحقائق المذهلة.
ذكر لنا
أليكسندر سوتير
أن الكنيسة السريانية كانت تضم إلى كتاب العهد
الجديد الخاص بها رسالة ثالثة لبولس إلى أهل
كورنثوس فيقول: (الرسالة
التي تُسمّى بـ "الرسالة الثالثة إلى أهل كورنثوس"
كانت لها
القانونية الكاملة
عند السريان في القرن الرابع, وقام بتفسيرها
القديس أفرايم). هل قرأتم جيداً ما قاله ؟
اقرأ مرة أخرى بصوت أعلى يا مسيحي "كانت لها
القانونية الكاملة عند السريان في القرن الرابع".
الرسالة لم تكن قانونية فحسب, ولكن القديس مار
أفرايم السرياني, المشهور جداً حتى في الكنيسة
الأرثوذكسية القبطية قام بتفسير الرسالة!
وعن هذه
الرسالة أيضاً يخبرنا بروس متزجر
أنها كانت رسالة مُعتبرة عند الكنيسة الأرمينية
فيقول: (كان لها تقدير
عالي جداً في الكنيسة الأرمينية, وتم ضمها إلى
مُلحق نسخة زوهرابز الأرمينية للعهد الجديد).
أي أن الرسالة لم تكن موجودة عند الكنيسة
السريانية فقط بل أنها وصلت إلى الكنيسة الأرمينية
أيضاً.
أما الرسالة
المزيفة التي تسمى بـ "الرسالة إلى لاودكية" والتي
تم فبركتها من أجل التغطية على الرسالة المفقودة
المشار إليها في نص كولوسي, فإننا نجد هذه الرسالة
موجودة في نسخة الفولجاتا اللاتينية لقرون عديدة
وسنوات مديدة, يذكر لنا كاسبر جريجوري
هذا ويقول: (هناك رسالة
إلى الـلاودكيين موجودة بالـلاتينية. أقدم نسخة
موجودة الآن تعود إلى عام 546م في نسخة للفولجاتا
مكتوبة من أجل فيكتور أسقف كابوا, والآن موجودة
منذ قرون في فولدا بألمانيا. هذه الرسالة ليس لها
قيمة, ولكنها موجودة في العديد من مخطوطات
الفولجاتا).
قانون العهد
الجديد قضية خاسرة ولا يجب للمسيحي أن يدخل هذه
المعركة, نحن نعلم يقيناً أن الكنيسة منذ القدم لم
تجتمع على كتاب واحد للعهد الجديد, وأن لكل أب من
آباء الكنيسة أسفاره القانونية, يذكر لنا يوسابيوس
القيصري بعض الأمثلة على هذا فيخبرنا عن الكتب
المقدسة التي كان يؤمن بها إيريناوس أسقف ليون
فيقول:
(وهو لا
يعرف كتاب الراعي فقط بل أيضاً يقبله, وقد كتب عنه
ما يلي: حسناً تكلم الكتاب قائلاً أول كل شيء آمن
بأن الله واحد الذي خلق كل الأشياء وأكملها).
قدم لنا
يوسابيوس أيضاً كلاماً رائعاً عن الأسفار المقدسة
التي كان يؤمن بها كلمندس الإسكندري فيقول:
(وباختصار لقد قدم في
مؤلفه وصف المناظر وصفاً موجزاً عن جميع الأسفار
القانونية, دون أن يحذف الأسفار المتنازع عليها,
أعني رسالة يهوذا والرسائل الجامعة الأخرى, ورسالة
برنابا والسفر المسمى برؤيا بطرس). كلمندس
الإسكندري كان يعتقد أن رسالة برنابا الموجودة في
المخطوطة السينائية ورؤيا بطرس الموجودة ضمن مكتبة
نجع حمادي الغنوصية من الأسفار القانونية.
مشاكل قانون
العهد الجديد كثيرة جداً, إن كتبت واحدة واحدة
فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة, ولكن
هذا غيض من فيض ولا أريد أن أطيل أكثر من هذا,
أطالب القمص عبد المسيح بسيط بعدم التهجم على
المسلمين وأن يكف عن وصفنا بما ليس فينا, وأقول لك
كلمة فتدبرها: إن تفرغنا لك فلن تقوم لك قائمة,
نحن نتابعك من بعيد فلا تقم باستفزازنا حتى لا
نجهز عليك بالردود.
الحمد لله الذي
بنعمته تتم الصالحات

العودة إلى فهرس الكتاب
|